“اليوم الاقتصادي” يعيد نشر مقال الكاتب الصحفي مصطفى النجار بالأهرام التاريخ لا يموت .. مهما طال الزمان
مسار العائلة المقدسة.. حلم "البلتاجى"الذى يتحقق!
في يوم 2 فبراير، 2020 | بتوقيت 12:48 م


عندي للقارئ الكريم حكاية تستحق ان تروى..
فالتاريخ لا يموت لان له حراسه و شهوده مهما طال الزمان ..
قبل نحو 20 سنة بالتمام و الكمال و بالتحديد في منتصف عام 1999 تقريبا فوجئت باتصال تليفوني من الاستاذ محفوظ علي مدير مكتب المرحوم الدكتور ممدوح البلتاجي وزير السياحة في ذلك الوقت و الذي لقبته منظمة السياحة العالمية بعميد وزراء السياحة في العالم واذ به يقول :
– انت فين يا أستاذ..
– فأجبت : أنا في مكتبي بالاهرام الغراء.
– فقال : تمام النهاردة الثلاثاء يا أستاذ مش هتعدى ..سيادة الوزير مستنيك في مكتبه بالوزارة في العباسية .
– أجبت: حالا بعد ساعة أكون عندك .
أتوقف هنا لأقول كان الدكتور البلتاجى – رحمة الله عليه – قد اتفق معي لسنوات أن أزوره في مكتبه كل ثلاثاء لأنه عرف أنني اكتب مقالي الاسبوعى الذى ينشر كل خميس بصفحة السياحة بالاهرام في ذلك اليوم و كان الرجل يرى انني اكتب مقالا يتابعه كل قطاع السياحة في أهم صحيفة مصرية و لذلك كان يحرص علي التواصل معي لصالح القطاع .. و كنت في كل لقاء أتصور أنه سيختصني بخبر ما .. و لكن الحقيقة انه أكد ليا أكثر من مرة أنه فقط يريد أن نتبادل الافكار وأعرف منه كيف يفكر و يعرف مني نبض القطاع بما يحدث و حتي أكون علي دراية برؤيته و رؤية الدولة عندما أكتب و بالتالي تكون الحقائق فقط هي عنوان ما نكتبه في الاهرام .
كنت أشكر للرجل ثقته.. و كنت اتابع عن كثب اتصالاته بشكل شخصى في هذه الجلسة بكبار منظمى الرحالات في العالم الذين يتحكمون في السياحة الي مصر و التي كانت تصل الي تهنئتهم بمناسباتهم الخاصة او بنجاحاتهم في العمل و كان يرى أن ذلك نوع من التواصل الاعلامى الذى يصب في مصلحة السياحة المصرية .. فلا سياحة بدون أعلام كما كان يردد دائما.
اعود الي السبب الذى حرص علي لقائى من أجله عام 1999 فقد فوجئت به يقول :
- اسمع يا عزيزى كما كان يحب أن ينادى المقربين منه.
- قلت نعم.
- قال : افكر في تنفيذ مشروع جديد لصالح السياحة اسمه “مسارالعائلة المقدسة ” وهو عبارة عن تطوير لكل المواقع التي توقفت فيها العائلة المقدسة عندما جاءت الي مصر و مكثت فيها قرابة ال4 سنوات .. ان هذا المسار سيكون له أبعاد سياسية و دينية و سياحية و يقدم نموذجآ انسانيا و حضاريا كبيرا لمصر المتسامحة وأرض اللجوء التي تحتضن الجميع : و اختتم البلتاجى حديثه معي قائلا ان هذا المشروع يعتبر بمثابة الحلم الذي يتمني تحقيقه في السنوات القادمة .. و قال انه بالفعل يعد لاصدار كتيب عن المسار يشرف علي مادته قداسة البابا شنوده الثالث.
و كانت المفاجأه ان أهداني الدكتور البلتاجى بعد نحو شهرين من لقائى معه في منتصف 1999 هذا الكتيب بعنوان “العائلة المقدسة في مصر” وفي عام 2000 بالتحديد كان قد أصدر كتيبا آخر بعنوان ” مبارك شعب مصر ” بمناسبة الاحتفاليه التي نظمها في كنيسة العذراء بالمعادى التي كانت نقطة انطلاق العائلة المقدسة الي صعيد مصر. وفضلا عن ذلك كان هو الساعى لتأسيس جمعية التراث الوطني “نهرا” التي تهتم بهذا المشروع .
لماذا أكتب كل ذلك اليوم ؟
لاننى هذا الاسبوع حضرت زيارة لوفد كنسي فرنسي للمتحف القبطى و جاء هذا الوفد من خلال الجمعية الوطنية للحج في فرنسا و استقبلهم د.خالد العناني وزير السياحة و الاثار ضمن جولتهم لتفقد نقاط مسار العائلة المقدسة .. و كانت الفترة الاخيرة قد شهدت زيارات وفود كنسية اخري من ايطالية و اسبانيا و البرازيل و أخيرآ اثيوبيا و كلها في أطار احياء هذا المسارأو لمشروع الحلم الذي ولدت فكرته و بدأ تنفيذه علي يدي وزير السياحة الراحل ممدوح البلتاجي . وهكذا و بعد 20 عام نري المسار و قد ظهرت عليه علامات التطوير و الاستعداد لاستقبال السياح في اكثر من موقع و بالتالي يمكن ان نقول ان حلم البلتاجى بدأ يتحقق و هنا لا نملك الا تذكره بكل الخير جزاء ما قدم للسياحة المصرية.
وأحب اليوم أن أشرك أو اذكر القارئ بما كتبه ممدوح البلتاجى مقدمة لكتيب العائلة المقدسة في مصر عام 1999 حتي نعرف عمق تفكير هذا الرجل و ثقافته و نظرته الثاقبة للمستقبل.
مصر: حضارة واحدة ذات روافد متعددة
قال البلتاجى في هذه المقدمة :
مصر مهد الحضارات الإنسانية : تلك حقيقة لا يكاد يثور بشأنها خلاف جاد بين المؤرخين الثقاه …. ولكن لمصر أيضا موقع جغرافى – سياسى عبقرى فهى عقدة الوصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا من خلال البحر المتوسط وعلى أرضها تتابعت هجرات البشر والافكار والفلسفات والعقائد الدينية طوال تاريخها الألفى الطويل. وما زالت شواهد هذا التتابع تشكل تراكماً فريداً مرئياً لموروث ثقافى إنسانى شامل – واحد عناصر خصوصية مصر يتمثل فى ظاهرة البوتقة التى تستوعب, وتصهر, ثم تعيد صياغة هذا التتابع فى نسيج واحد شديد التماسك – وهكذا فإن لمصر حضارة واحدة ذات روافد متعددة وحقبات متتالية ومتداخلة – ومن المؤكد أن أكثرها تألقاً هى العصور الفرعونية و الاغريقية والرومانية, و القبطية المسيحية , و الاسلامية . و لأن شعب مصر هو المحصلة النهائية لكل ذلك فإن ” الآخر” يعد جزءَ أصيلاً منه, ومكوناً أساسياً لهويته و ثقافته الوطنية – و قد كان لهذه الخاصية نتيجة تاريخية هامة, و هى أن مصر كانت , و ما زالت , ارضا ل اللجوء , و بالتالي , و بالضرورة , مسرحا للتسامح, و الحوار – و اللجوء هنا بمعناه الواسع أي الشعوب , و الافراد و الاجناس و الثقافات و الاديان. و علي أرض مصر رصد التاريخ أنبعاث أول عقائد البشر الدينيه التوحيدية من خلال أخناتون .. ( القرن ال 14 قبل الميلاد) – و عاش فيها موسي , و عيسي , و دخلها الاسلام , دون صراع .. و يحتفل العالم بذكرى ميلاد المسيح إيذانا ببداية القرن الحادى والعشرين والأنفية الثالثة بعد بضعة شهور قادمة – ومصر تشارك البشرية تلك الإحتفالات الضخمة , وإن كانت هى تعبر أيضاً إلى الأنفية السابعة من تاريخها المدون!
ومازال البعض فى العالم الخارجى البعيد عن منطقتنا لا يكاد يبصر مغزى أن العائلة المقدسة – والمسيح طفلاً حديث الولادة – قد عاشت فى مصر قرابة أربعة أعوام بعد أن لجأت إليها خوفا من إضطهاد الملك هيرودس. إن قيام مصر بإحياء مسار العائلة المقدسة يندرج فى إطار حركة البعث الشاملة لكل معالم الثراث وشواهد الديانات التى تشكل جوهر الحضارة المصرية الواحدة – ومن خلال رؤية عميقة للتاريخ وللذات المصرية.
لقد أشرف قداسة البابا شنودة الثالث حافظ وراعى التقاليد الوطنية العتيدة للكنيسة القبطية المصرية: بنفسة, على كتابة النص التاريخى – المسطر فى هذا الكتاب – لمسار العائلة المقدسة فى بلادنا بدءا من الفرما فى الشمال الشرقى لسيناء حتّى دير المحرق فى جنوب وادى النيل – وحين ينجز العمل فى هذا المشروع الكبير مع إطلالة الألفية الثالثة, سوف يتوافد إلينا كثير من البشر المؤمنين بالرب الواحد الذى نعبده جميعا, والمولعين بحضارتنا العريقة – ولكن يظل الهدف الاسمى من هذا الكتاب؛ ومن المشروع مكتملا , متمثلاً فى تلك الرسالة المزدوجة الموجهة لكل المصريين, وللعالم بأسره فى أن واحد : وهو أن بلادنا كانت وستظل , أرض اللجوء والتعايش والسلام, وأن وحدة الشعب المصرى بمسلميه وأقباطه هى العمود الفقرى لكيان مصر ‘الدولة – الأمة”.
هكذا كتب البلتاجى و تلك كانت رؤيته .. لقد كان رحمة الله صاحب رؤية و فكر و يمتلك قدرة علي الحلم و الخيال و جرأة في القرارو التنفيذ ..فالشعوب و الامم لاتتطور أو تتقدم الا بمثل هؤلاء الرجال الذين يشهد لهم التاريخ بكل الاحترام ..!!



